فخر الدين الرازي

15

تفسير الرازي

بردا ، وهب أن ذلك البرد برد تأذوا به ، ولكن كيف كان ، فقد ذاقوا البرد ( والجواب عن الأول ) كما أن ذوق البرد مجاز فكذا ذوق النوم أيضا مجاز ، ولان المراد من قوله ( لا يذوقون فيها بردا ) أي لا يستنشقون فيها نفسا باردا ، ولا هواء باردا ، والهواء المستنشق ممره الفم والأنف فجاز إطلاق لفظ الذوق عليه ( والجواب عن الثاني ) أنه لم يقل لا يذوقون فيها البرد بل قال لا يذوقون فيها بردا واحدا ، وهو البرد الذي ينتفعون به ويستريحون إليه . ( المسألة الثالثة ) ذكروا في الحميم أنه الصفر المذاب وهو باطل بل الحميم الماء الحار المغلى جدا ( المسألة الرابعة ) ذكروا في الغساق وجوها . ( أحدها ) قال أبو معاذ كنت أسمع مشايخنا يقولون الغساق فارسية معربة يقولون للشئ الذي يتقذرونه خاشاك ( 1 ) ( وثانيها ) أن الغساق هو الشئ البارد الذي لا يطلق ، وهو الذي يسمى بالزمهرير ( وثالثها ) الغساق ما يسيل من أعين أهل النار وجلودهم من الصديد والقيح والعرق وسائر الرطوبات المستقذرة ، وفى كتاب الخليل غسقت عينه ، تغسق غسقا وغساقا ( ورابعها ) الغساق هو المنن ، ودليله ما روى أنه عليه السلا قال ، لو أن دلوا من الغساق يهراق على الدنيا لأنتن أهل الدنيا ( وخامسها ) أن الغاسق هو المظلم قال تعالى ( ومن شر غاسق إذا وقب ) فيكون الغساق شرابا أسود مكروها يستوحش كما يستوحش الشئ المظلم ، إذا عرفت هذا فنقول إن فسنا الغساق بالبارد كان التقدير : لا يذوقون فيها بردا إلا غساقا ولا شرابا إلا حميما ، إلا أنهما جمعا لأجل انتظام الآي ، ومثله من الشعر قول امرئ القيس . كأن قلوب الطير رطبا ويابسا . . . لدى وكرها العناب والحشف البالي والمعنى كأن قلوب الطير رطبا العناب ويابسا الحشف البالي ، أما إن فسرنا الغساق بالصديد أو بالمنتن احتمل أن يكون الاستثناء بالحميم الغساق راجعا إلى البرد والشراب معا ، وأن يكون مختصا بالشراب فقط . أما الاحتمال الأول : فهو أن يكون التقدير لا يذوقون فيها شراباً إلا الحميم البالغ في الحميم والصديد المنتن . وأما الاحتمال الثاني : فهو أن يكون التقدير لا يذوقون فيها شراباً إلا الحميم البالغ في السخونة أو الصديد المنتن والله أعلم بمراده ، فإن قيل الصديد لا يشرب فكيف استثنى من الشراب ؟ قلنا : إنه مائع فأمكن أن يشرب في الجملة فإن ثبت أنه غير ممكن كان ذلك استثناء من غير الجنس ووجهه معلوم . المسألة الخامسة : قرأ حمزة والكسائي وعاصم من رواية حفص عنه غساقاً بالتشديد فكأنه فعال بمعنى سيال ، وقرأ الباقون بالتخفيف مثل شراب والأول نعت والثاني اسم . واعلم أنه تعالى لما شرح أنواع عقوبة الكفار بين فيما بعده أنه : * ( جزاء وفاقاً ) * وفي المعنى